الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

192

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

في الجملة حينئذ ناسخان مثل قوله تعالى : وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً [ البقرة : 143 ] وكان أصل التركيب في مثله : ونظنّ أنك لمن الكاذبين ، فوقع تقديم وتأخير لأجل تصدير حرف التوكيد لأن ( إنّ ) وأخواتها لها صدر الكلام ما عدا ( أنّ ) المفتوحة . وأحسب أنهم ما يخفّفون ( إنّ ) إلا عند إرادة الجمع بينها وبين فعل من النواسخ على طريقة التنازع ، فالذي يقول : إن أظنك لخائفا ، أراد أن يقول : أظن إنّك لخائف ، فقدم ( إنّ ) وخففها وصيّر خبرها مفعولا لفعل الظن ، فصار : إن أظنّك لخائفا ، والكوفيون يجعلون إِنْ في مثل هذا الموقع حرف نفي ويجعلون اللام بمعنى ( إلّا ) . والآمر في فَأَسْقِطْ أمر تعجيز . والكسف بكسر الكاف وسكون السين في قراءة من عدا حفصا : القطعة من الشيء . وقال في « الكشاف » : هو جمع كسفة مثل قطع وسدر . والأول أظهر ، قال تعالى : وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً [ الطور : 44 ] . وقرأ حفص كِسَفاً بكسر الكاف وفتح السين على أنه جمع كسف كما في قوله : أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً ، وقد تقدم في سورة الإسراء [ 92 ] . وقولهم : إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ كقول ثمود : فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [ الشعراء : 154 ] إلا أنّ هؤلاء عينوا الآية فيحتمل أن تعيينها اقتراح منهم ، ويحتمل أن شعيبا أنذرهم بكسف يأتي فيه عذاب . وذلك هو يوم الظّلّة المذكور في هذه الآية ، فكان جواب شعيب بإسناد العلم إلى اللّه فهو العالم بما يستحقونه من العذاب ومقداره . و أَعْلَمُ هنا مبالغة في العالم وليس هو بتفضيل . [ 189 ] [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 189 ] فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 189 ) الظُّلَّةِ : السحابة ، كانت فيها صواعق متتابعة أصابتهم فأهلكتهم كما تقدم في سورة الأعراف . وقد كان العذاب من جنس ما سألوه ، ومن إسقاط شيء من السماء . وقوله : فَكَذَّبُوهُ الفاء فصيحة ، أي فتبين من قولهم : إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ [ الشعراء : 185 ] أنهم كذبوه ، أي تبين التكذيب والثبات عليه بما دلّ عليه ما قصدوه من تعجيزه إذ قالوا : فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [ الشعراء : 187 ] . وفي إعادة فعل التكذيب إيقاظ للمشركين بأن حالهم كحال أصحاب شعيب فيوشك أن يكون عقابهم كذلك .